في ليلة باريسية غائمة ودع المنتخب الفرنسي كأس العالم 2026 أمام نظيره الإسباني، فخيّم الصمت على الجماهير الفرنسية سواء بملعب “أرلينجتون” أو داخل حانات عاصمة النور، ولم يكن ذلك مجرد هدوء يعقب صافرة نهاية عادية، بل كان إعلانًا غير مكتوب عن نهاية حقبة “الجنرال” ديدييه ديشان؛ الرجل الذي ضبط إيقاع الكرة الفرنسية لسنوات بقبضة تكتيكية حديدية وعقلية واقعية صارمة.
وبينما كانت الجماهير تودع ذكريات المجد وتتحسس مرارة الوداع الأخير، كانت هناك خطى هادئة ومألوفة تقترب من العشب الأخضر من خلف الكواليس، فمن بين ظلال العزلة الاختيارية الطويلة، لاح وجه الأسطورة؛ #زين_الدين زيدان يعود مجددًا إلى وطنه الكروي، ليس ليداعب الكرة بسحره المعتاد كلاعب، بل كقائد فني يحمل على عاتقه إرثًا ثقيلًا وتحديات بحجم وطن بأسره.
إنها لحظة ولادة جديدة للديوك، حيث تلتقي الهيبة بالرغبة في إعادة صياغة التاريخ بنكهة فرنسية خالصة، ويناقش “Goal.com” في السطور التالية ملامح حقبة جديدة تلوح في الأفق: كيف يعيد زيدان صياغة هوية الديوك بعد إرث ديشان الثقيل؟
طويت واحدة من أكثر الصفحات نجاحًا واستقرارًا في تاريخ كرة القدم الفرنسية، برحيل ديشان عن مقعد قيادة “الديوك” بعد 14 عامًا تقريبًا، فلا يمكن لأحد أن ينكر الإنجازات الاستثنائية التي صنعها ديدييه؛ فقد كان عظيمًا كلاعب رفع كأس العالم عام 1998، وقائدًا فذًا على مقاعد البدلاء عندما قاد بلاده للمجد العالمي في روسيا 2018، وصيفًا في قطر 2022.
ديشان منح فرنسا شخصية تنافسية طاغية وصلابة تكتيكية يندر تكرارها، ومع ذلك، فإن سنة كرة القدم هي التطور، وقد بدا جليًا في الفترات الأخيرة أن الهوية التدريبية للديوك تحتاج إلى تغيير حتمي وضخ أفكار جديدة تخرج الفريق من النمطية التي فرضتها الفلسفة الواقعية الصارمة لديشان، والانتقال نحو كرة قدم تقدم متعة بصرية تليق بحجم المواهب المتاحة، رغم أنه أظهر ملامح لذلك في المونديال الأخير لكنها لم تكن كافية لتحقيق اللقب.
أخيرًا، يتحقق الحلم الذي طال انتظاره وتأجل لسنوات؛ الأسطورة زين الدين زيدان يعود من جديد إلى معشوقته كرة القدم، ليس لتدريب نادٍ أوروبي كبير، بل لتولي المهمة التي لطالما صرح بأنها حلمه الأكبر: تدريب منتخب فرنسا.
منذ رحيله عن ولايته الثانية التاريخية مع ريال مدريد، ظل “زيزو” في عزلة اختيارية مبتعدًا عن الملاعب، منتظرًا هذه اللحظة تحديدًا، ويحظى زيدان برصيد وجداني هائل لدى الجماهير الفرنسية، وتاريخه التدريبي المرصع بثلاثية دوري أبطال أوروبا يمنحه هيبة لا تضاهى داخل غرف الملابس.
ورغم هذا الرصيد الأسطوري، فإن انقطاع زيدان الطويل عن أجواء المنافسات اليومية والتدريب الفعلي لسنوات قد يكون بمثابة سلاح ذي حدين، وقد يترتب عليه بعض العواقب الفنية وصعوبات التأقلم في بداية مهمته المعقدة.
الواضح تمامًا أن ديشان لا يترك خلفه رمادًا، بل يترك إرثًا غنيًا وقويًا للغاية يُحسد عليه أي مدرب في العالم، فقبل أسابيع قليلة، كان الجميع يرشح هذا الجيل ليكون بطلًا متوجًا بكأس العالم 2026 لما يملكه من جودة استثنائية.
ورغم السقوط الأخير والخسارة أمام إسبانيا في مباراة لم تكن الأفضل للديوك، إلا أن تلك الهزيمة العابرة لا تعني مطلقًا أن الفريق يعاني من الضعف الفني؛ بل على العكس تمامًا، يمتلك المنتخب الفرنسي خط هجوم ناري وخط وسط متكامل، فضلًا عن أسماء لامعة في الخط الخلفي.
التحدي الحقيقي الذي سيواجهه زيدان لا يكمن في جودة الأفراد، بل في معالجة بعض الثغرات المتعلقة بالتنظيم الدفاعي الجماعي، وصياغة مشروع تكتيكي متطور يمنح اللاعبين طموحات متجددة ودوافع تعطش للعودة إلى منصات التتويج مجددًا.

